فوزي آل سيف

32

كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام

أو أنه مقتضى الحال بالنسبة للإنسان العاقل الذي يرى أن أصل سجن الإمام كان خطأ فلا ينبغي أن يكمل ذلك الخطأ بخطيئة تعذيبه وإيذائه، في سبيل أمور دنيوية غير دائمة!. المهم أنه وصل إلى هارون من جهة جواسيسه أن الفضل لا يقوم بالتضييق على الإمام كما يريد هارون، وكان في الرقة (وهي أشبه بمتنزه للخلفاء) «فكتب إليه ينكر عليه توسعته على موسى ويأمره بقتله، فتوقف عن ذلك ولم يقدم عليه، فاغتاظ الرشيد لذلك ودعا مسرورًا الخادم فقال له: اخرج على البريد (خيل البريد السريعة) في هذا الوقت إلى بغداد، وادخل من فورك على موسى بن جعفر، فإن وجدته في دعة ورفاهية فأوصل هذا الكتاب إلى العباس بن محمد ومره بامتثال ما فيه. وسلّمَ إليه كتابًا آخر إلى السندي بن شاهك يأمره فيه بطاعة العباس بن محمد. فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحدٌ ما يريد، ثم دخل على موسى بن جعفر عليه السلام فوجده على ما بلغ الرشيد، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد والسندي بن شاهك فأوصل الكتابين إليهما، فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض إلى الفضل بن يحيى، فركب معه وخرج مشدوهًا دهشًا حتى دخل على العباس بن محمد، فدعا العباس بسياط وعقابين وأمر بالفضل فجُرِّد وضربه السندي بين يديه مائة سوط، وخرج متغير اللون خلاف ما دخل، وجعل يسلّم على الناس يمينًا وشمالًا».[73] وبحسب رواية المفيد[74] في الارشاد فإن الفضل بن يحيى قد تمت معاقبته بالجلد، وأعلن هارون أن الفضل قد عصاه فلعنه وأمر الناس بلعنه، بسبب أنه لم يكن قاسيًا بالمقدار المطلوب على الإمام الكاظم عليه السلام! وبحسب نفس الرواية فإن والده يحيى بن خالد البرمكي لما وصل إليه الأمر، وعرف عنه رأى أن المشكلة هي في حسن تعامل ابنه الفضل مع الإمام موسى بن جعفر فأقدم على عملين: 1/ الاعتذار من هارون الخليفة بالنيابة عن ابنه الفضل وأنه لحداثة سنه ارتكب هذا الخطأ الذي يستحق تلك العقوبة وأنه أي والده بعد ذلك يطلب العفو عنه! 2/ السعي في قتل الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، وهو أمر سيلاقي رضا الخليفة وسيكون ذلك تكفيرًا عن ذنب الفضل ابنه! وكأنّه كان يريد أن يثبت لهارون العباسي أنه ليس أقلّ في ولائه من الفضل بن الربيع الذي كان بدوره مقربا من الخليفة وكان التنافس بينهما قائما! ويشهد لهذا أن الإمام عليًّا بن موسى الرضا عليه السلام، اعتبر البرامكة ورأسهم يحيى مسؤولين عن قتل أبيه الكاظم عليه السلام، وأن نكبتهم التي حصلت بعد عدة سنوات من شهادته كانت عقوبة من الله عليهم.

--> 73  الشيخ المفيد، الإرشاد ٢/٢٤١ 74  نفس المصدر ٢٤٢.. وكتب مسرور بالخبر إلى الرشيد، فأمر بتسليم موسى عليه السلام إلى السندي بن شاهك، وجلس الرشيد مجلسًا حافلًا وقال: أيها الناس، إن الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي، ورأيت أن ألعنه فالعنوه لعنه الله. فلعنه الناس من كل ناحية، حتى ارتج البيت والدار بلعنه. وبلغ يحيى بن خالد الخبر، فركب إلى الرشيد فدخل من غير الباب الذي تدخل الناس منه، حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر، ثم قال له: التفت - يا أمير المؤمنين - إليَّ، فأصغى إليه فزِعًا، فقال له: إن الفضل حَدَثٌ، وأنا أكفيك ما تريد، فانطلق وجهه وسُرَّ، وأقبل على الناس فقال: إن الفضل كان قد عصاني في شيء فلعنته، وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولوه. فقالوا: نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت وقد توليناه. ثم خرج يحيى بن خالد على البريد حتى وافى بغداد، فماج الناس وأرجفوا بكل شيء، وأظهر أنه ورد لتعديل السواد والنظر في أمر العمال، وتشاغل ببعض ذلك أياما، ثم دعا السندي فأمره فيه بأمره فامتثله.